عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
56
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فهمه ، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد ، ويحضر المراكب في دار الخلاف ، إلى أن مات . تفقه على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاضي في طبرستان وعلى أبي سعيد الإسماعيلي وأبي القاسم ، تناكح بجرجان ، ثم ارتحل إلى نيسابور ، وأدرك أبا الحس ، الماسرجسي ، فصحبه أربع سنين ، وتفقه عليه ، ثم ارتحل إلى بغداد ، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد الأسفرائيني ، وعليه اشتغل أبو إسحاق الشيرازي ، وقال في حقه : لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه ، وشرح مختصر المزني وفروع ابن حداد المصري ، وصنف في الأصول والمذهب والخلاف والجدل كتباً كثيرة . وقال الشيخ أبو إسحاق : لازمت مجلسه بضع عشر سنة ، ودرست أصحابه في مسجده سنتين بإذنه ، واستوطن ببغداد ، وولي القضاء بربع الكرخي بعد موت عبد الله الصيمري ، ولم ينزل على القضاء إلى حين وفاته رحمه الله تعالى . وفيها توفي الإمام النحرير الكبير ، أقضى القضاة أبو الحسين علي بن محمد البصري الماوردي الشافعي ، مصنف الحاوي الكبير النفيس الشهير والإقناع وأدب الدنيا والدين والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك وتفسير القرآن الكريم والقلب والعيون ، وصنف في أصول الفقه والأدب وغير ذلك ، وكان إماماً في الفقه والأصول والتفسير ، بصيراً بالعربية ، ولي قضاء بلاد كثيرة ، ثم سكن بغداد ، وعاش ستاً وثمانين سنة ، تفقه على أبي القاسم الصيمري بالبصرة ، وعلى الشيخ أبي حامد الأسفرائيني ببغداد ، وحدث عن جماعة ، وكان حافظاً للمذهب . درس العلوم . وروى عنه الخطيب صاحب تاريخ بغداد : وانتفع الناس به ، وقيل إنه لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته ، وإنما جمع جميعاً في موضع ، فلما دنت وفاته قال لشخص يتولاه : الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي ، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى ، فإذا عاينت الموت ، ووقعت في النزع ، فاجعل يدك في يدي ، فإن قبضت عليها ، وعصرتها ، فاعلم أنه لم يقبل من سنن منها ، فالقها في دجلة ، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك ، فاعلم أنها قد قبلت ، وقد ظفرت بما كنت أرجوه . ففعل الموصي ذلك ، فبسط يده ، ولم يقبضها على يده ، فعلم أنها علامة القبول ، فأظهر كتبه بعده . وذكر الخطيب في أول تاريخ بغداد عن الماوردي قال : كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد : طيب الهوى ببغداد يشوقني قدماً إليها ، وإن علقت مقادير ، فكيف صبري عنها الآن ، إن جمعت طيب هوائين ممدود ومقصور . وقيل إنه لما خرج من بغداد راجعاً إلى